
تعتبر أزمة الصحراء الغربيّة من أعقد المشاكل العربيّة التي ظلّت تراوح مكانها , حيث جاوز عمر هذه الأزمة أزيد من ربع قرن والذي زاد في مفاقمتها هو توزّع هذه الأزمة على الجزائر والمغرب أصحاب العلاقة المباشرة بهذه الأزمة . فالجزائر التي ساهمت في تأسيس جبهة البوليساريو تعتبر أنّ هذه الجبهة من حقّها إنشاء دولة مستقلة في الساقيّة الحمراء ووادي الذهب , فيما تعتبر المغرب أنّ الصحراء الغربيّة هي أرض مغربيّة ولا وجود في التاريخ المغاربي لشيئ اسمه الدولة الصحراويّة . والواقع أنّ الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين أوعز إلى مدير المخابرات العسكرية في عهده قاصدي مرباح باحتضان مجموعة من الطلبة الصحراويين الذين كانوا يدرسون في الجامعات الجزائرية ومنهم الأمين العام لجبهة البوليساريو ومدهّم بالمال والسلاح ومساعدتهم في تأسيس جبهة تنادي بإقامة دولة في الصحراء الغربيّة , وكان هدف بومدين من هذه الاستراتيجية هو إشغال المغرب بقضيّة الصحراء الغربية حتى لا ينشغل بصحراء تندوف الجزائرية التي كان يعتبرها العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني مغربيّة أيضا , كما كان بومدين يحرص على أن يكون للجزائر مطلاّ على المحيط الأطلسي ولن يتأتى ذلك للجزائر إلاّ إذا تولّت جبهة البوليساريو إقامة دولتها في الصحراء الغربيّة , ورغم أنّ الحسن الثاني عرض على بومدين عبر وسطاء معينين منح الجزائر منفذا إلى الأطلسي مقابل التخلي عن تبنيّ مشروع البوليساريو إلاّ أنّ بومدين رفض العرض . و تجدر الإشارة إلى أنّ الخلافات الجزائريّة – المغربية أدّت إلى نشوب حرب بين البلدين مباشرة في سنة 1963 , كما أندلعت عشرات الحروب غير المباشرة بين المغرب والجزائر حيث كان الجيش الجزائري يحارب القوات المغربية من خلال جبهة البوليساريو وقد أسرت القوات المغربية عشرات الجنود الجزائريين . وبسبب جبهة البوليساريو كانت الجزائر تستقبل معارضي النظام المغربي وتمنحهم جوازات سفر ديبلوماسيّة , والمغرب كان يلجأ إلى الشيئ نفسه , وعندما اندلعت الفتنة الجزائريّة كانت الرباط تغضّ الطرف عن دخول السلاح إلى الجماعات المسلحة في الجزائر عبر الأراضي المغربية . و كانت بعض عناصر الجماعات الإسلاميّة الجزائرية تفّر إلى المغرب بعد قيامها بأعمالها العسكرية في مناطق الغرب الجزائري . و على امتداد ثلاثين سنة كانت العلاقات الجزائريّة – المغربية محكومة بوضع الصحراء الغربيّة . وكان هناك خياران لا ثالث لهما في حلّ الأزمة الصحراوية الخيّار الجزائري والمتمثل في إقامة دولة مستقلة لجبهة البوليساريو في الصحراء الغربيّة , والخيار المغربي المتمثل في بسط السيّادة على الأراضي الصحراوحقّ تقرير المصير وتجاوزا على نضالات الشعب الصحراويى . وينسجم الخيّار الأمريكي مع أطروحة أمريكية تنصّ على إحقاق شراكة مغربيّة
أمريكية ولهذا الغرض انعقدت العديد من الندوات في واشنطن وتستهدف هذه الشراكة إلى سحب البساط بشكل كامل من فرنسا في المناطق المغاربيّة , وباريس التي تنظر إلى هذه التطورات باستيّاء تعي أّن هوى النظم السياسية المغاربية بات أمريكيّا ولذلك راحت تخلط الأوراق الداخلية في الجزائر وتفتح ملف حقوق الإنسان في تونس وملف بن بركة في المغرب وتعتقل رسميين موريتانيين في فرنسا بحجة انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في نواكشوط . وإذا تسنىّ للخيار الأمريكي أن يأخذ مجراه في حلحلة الأزمة الصحراوية فمعنى ذلك أنّ واشنطن قد وضعت مسمار جحا في منطقة المغرب العربي وهو ما يشكّل النهاية الفعليّة للمجد الفرانكفوني في المغرب العربي !!